رصدت مجلة "بيزنس مونثلي" الإجراءات التي لجأت مصر لاتخاذها لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، في ظلّ ما تشهده الأسواق العالمية من توترات جيوسياسية وتقلبات في أسعار السلع، من خلال مزيج من تنسيق السياسات والإصلاحات الهيكلية والاستثمارات الموجهة. 

 

ويؤكد صناع السياسات وخبراء اقتصاديون أن مصر تركز على الحدّ من التضخم المستورد واضطرابات سلاسل التوريد، مع وضع الأسس اللازمة لتعزيز قدرتها على الصمود على المدى الطويل.

 

انعكاسات الضغوط العالمية على مصر 


لا يزال الوضع العالمي العام مليئًا بالتحديات. وبحسب تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل 2026، تشهد أسواق الطاقة تقلبات حادة، مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا عقب الهجمات التي استهدفت منشآت رئيسة في الخليج العربي. كما ارتفعت أسعار المعادن الأساسية، مثل النحاس والألومنيوم، بنحو 30% وسط اضطرابات في الإمدادات.

 

وفي ظل هذه الظروف، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمصر إلى 4.2% في السنة المالية 2026 قبل أن يتعافى إلى 4.8% في السنة المالية 2027. ومن المتوقع أن ينخفض التضخم من 20.4% في عام 2025 إلى 13.2% في عام 2026 و11.1% في عام 2027.

 

وتُشير البيانات الصادرة حديثًا عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى ضغوطاتٍ على المدى القريب. ففي مارس 2026، بلغ مؤشر أسعار المستهلك في مصر 284.4، مع ارتفاع التضخم بنسبة 3.3% شهريًا و13.5% سنويًا. كما ارتفعت أسعار النقل بنسبة 8.0% شهرياً، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 5.2%.

 

إدارة التضخم والصدمات الخارجية


وفيما وصف التضخم بأنه "متقلب، عزا الدكتور محمود فتح الله، مدير إدارة شؤون الأرصاد الجوية البيئية في جامعة الدول العربية، السبب الرئيس إلى أن مصر تواجه الآن مزيجًا صعبًا من صدمات التكاليف الخارجية وتعديلات الأسعار المحلية". 

 

وأضاف أن "فاتورة استيراد الطاقة ارتفعت بأكثر من الضعف بعد اندلاع النزاع، في حين إن مصادر دخل العملات الأجنبية مثل السياحة وعائدات قناة السويس والتحويلات المالية قد تواجه أيضاً بعض الضغوط".

 

وأشار فتح الله إلى أن إتمام برنامج إصلاحات صندوق النقد الدولي قد مكّن مصر من توسيع نطاق التصنيع المحلي، لافتًا إلى أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تلعب دورًا "جوهريًا ولكن تدريجيًا" في تخفيف الضغوط. ومع ذلك، حذر من أن "استبدال الواردات يجب أن يكون فعالاً، وإلا فإن ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي قد يُبدد المكاسب".

 

وشدد فتح الله على أهمية جودة الاستثمار، وضرورة أن تكون التدفقات الأجنبية "مستقرة ومتنوعة ومثمرة" بدلاً من أن تكون قصيرة الأجل. وفيما يتعلق بتنسيق السياسات، أشار إلى أنه "يبدو أن هناك آلية تنسيق جيدة بين السياسة المالية والنقدية في مصر خلال السنة المالية 2025/2026، وقال إن الحفاظ على هذا التنسيق بكفاءة على المدى الطويل من شأنه أن يثبت استقرار معدل التضخم في المستقبل".

 

مرونة سعر الصرف وأمن الطاقة


من جهتها، أكدت نرمين الصياد، مديرة مرصد النساء في مجالس الإدارة في كلية أنسي ساويرس للأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، على مرونة سعر الصرف كآلية تعديل رئيسة.

 

وأضافت: "شهدت أسعار صرف العملات الأجنبية أيضًا تقييمًا، حيث بلغ سعر صرف الدولار الأمريكي 51.8 جنيهًا مصريًا في 16 أبريل 2026، مقارنةً بحوالي 47.8 جنيهًا مصريًا قبل بدء التوترات في فبراير 2026". 

 

وأشارت إلى أن مرونة سعر الصرف تُسهم في امتصاص الصدمات وتخفيف الضغط على السوق الموازية. ويواصل البنك المركزي المصري استهدافه لمعدل تضخم يبلغ 7% (±2 نقطة مئوية) بحلول الربع الأخير من عام 2026.

 

ويُعد تنويع مصادر الطاقة أولوية أيضًا. وقالت الصياد: "تعمل مصر على إبرام صفقة بالغة الأهمية لاستيراد أكثر من مليون برميل من النفط الخام الليبي شهريًا لتعويض الإمدادات الكويتية التي توقفت بسبب التوترات في مضيق هرمز".

 

التكيف التجاري والحماية الاجتماعية


وعلى مستوى الشركات، تقوم الشركات بتعديل عملياتها لإدارة المخاطر. وأشارت الصياد إلى أن الشركات "تتبنى التوريد المتعدد (تجنب الاعتماد على موردين/مناطق محددة)، ونقل الإنتاج إلى مناطق قريبة لتقليل تكاليف الخدمات اللوجستية، واعتماد إدارة المخزون "للحالات الطارئة".

 

وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة توسيع برامج الحماية الاجتماعية مثل التكافل والكرامة لدعم الأسر ذات الدخل المنخفض وسط ارتفاع التكاليف.

 

الموازنة بين الاستقرار والإصلاح


وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تكتنف الأوضاع العالمية، رأى التقرير أن استجابة مصر تعكس تركيزًا على تحقيق التوازن بين الاستقرار قصير الأجل والإصلاح طويل الأجل. ومن خلال تنسيق السياسات، وتنويع مصادر الطاقة، وجهود جذب الاستثمارات الإنتاجية، تعمل البلاد على تعزيز مرونتها الاقتصادية في بيئة عالمية متقلبة.

https://businessmonthlyeg.com/egypt-moves-to-shield-economy-amid-global-market-volatility/